تاريخ

مراد الرايس: أشهر قرصان عرفته افريقيا

مراد الرايس

اشهار

كانت ليلة باردة ومظلمة في تلك الزنزانة الضيقة التي وضعوه فيها, لكن كان عنده إحساس أن هاته الليلة ليست ككل الليالي التي مرت عليه في الخمس سنين الأخيرة في سجن فرسان مالطا, وضع رأسه المليئة بالهموم بين ركبتيه اللتان أصابهما الروماتيزم بسبب الظروف القاسية التي يعيش فيها, وبدأ يتذكر بدايته.

من هو مراد الرايس؟

ولد في مدينة هارلم في هولندا سنة 1575, وكان إسمه في ذلك الوقت هو “يان يانزون”, تذكر زوجته الأولى وأولاده أدوارد وإليزابيث, والحياة السعيدة التي كانوا يعيشونها, لكن هاته السعادة لم تستمر, لأن يان كان يحب البحر والمغامرة من الصغر, ولذلك أصبح بحارا في سن 25, وشارك في هجمات ضد البحرية الإسبانية في حرب التحرير الهولندية, لكن لأن ذلك العمل لم يكن مربحا, فقد قرر أن يصبح تاجرا يجول في موانئ البحر الأبيض المتوسط حتى إلتقى مع زوجته الثانية التي كانت موريسكية في مدينة كارتاخينا الإسبانية. بعد ذلك تذكر الحدث الذي غير مجرى حياته, وهو يوم قبض عليه قراصنة أتراك بالقرب من لانثاروتى في جزر الكناري, و أخذوه كأسير للجزائر سنة 1618يان مع أنه كان أسيرا, أعجبته حياة المغامرة التي يعيشها قراصنة شمال إفريقيا, وبسرعة إقتنع بالإسلام وحاول أن يقنع به اصدقاءه المسيحين المسجونين, ولكي يكمل تحوله للإسلام, سيبدل إسمه من يان يانزون لمراد الرايس, وبدأ يشتغل تحت إمرة قرصان معروف يسمى سليمان الرايس, هو أيضا هولندي دخل الإسلام سنوات قبله, بعد عام سيموت قائده سليمان, وفي نفس الوقت قام العثمانيون بالتحالف مع العديد من الدول الأوروبية, ومنعوا قرصنة سفنهم من الجزائر, ولهذا قام يان يانزون الذي يناديه الكل بمراد بالرحيل إلى المغرب, وبالضبط إلى مدينة سلا التي سمع عنها الكثير

بداية تكوين جمهورية قراصنة سلا

جمهورية قراصنة وادي أبي رقراق

 سلا كانت مدينة عادية, حتى بدأ الموريسكيون من عشيرة الهورناتشوس القاطنين بمنطقة إكستريمادورا بالأندلس بالرحيل إليها, الهورناتشوس كانوا يحبون القتال والحرب, وكانوا أذكياء حينما إستبقوا قرار الطرد الذي وضعه الملك فيليب الثالث في 22 سبتمبر 1609, عندما أعطى الأمر بإجلاء كل الموريسكيين من إسبانيا مسلمين كانو أو مسيحيين, وعندما قدموا للمغربرحب بهم السلطان السعدي عبد الملك, واعطاهم نفس الحقوق والإمتيازات التي كانت عند المغاربة. بعد ذلك إستقروا على الضفة اليسرى من واد ابي رقراق التي تسمى الآن بالرباط, وسيلتحق بهم المورسكيون الآخرون الذين تم طردهم من الأندلس, بعد قرار الملك فيليب لكن الموريسكيين بعكس الهورناتشوس, سيتركوا أموالهم و ممتلكاتهم في الأندلس وسيرحلوا للمغرب فقراء وحاقدين على الإسبان, ولذلك كانت القرصنة أفضل وسيلة لإرجاع الصاع صاعين, وخصوصا أن المدينة تحتل موقعا إستراتيجيا في مصب نهر يصعب على السفن أن تدخل لمرساه. الشيء الذي يمكن القراصنة من الهرب من السفن الحربية المطاردة لهم, ولذلك كانت تقع أغلب المدن القرصانية في مصب نهر كالمهدية والصويرة, في هذه الأثناء ستصبح للهورناتشوس قوة وسلطة كبيرة في المدينة, وسيسكنوا قصبة الوداية بعكس الموريسكيين القادمين حديثا والذين سيسكنون في المدينة السفلية التي هي الرباط, و سيعلنوا إستقلال سلا على الدولة المغربية وسيأسسوا جمهورية بديوان ينتخب رئيسا كل مرة, سيتذكر مراد أن من حسن حظه أنه قدم في الوقت الذي تم فيه إعلان إستقلال المدينة, وبسرعة ظهرت مهارته وقوته وشجاعته بين قراصنة سلا, ولذلك اختاره الديوان المكون من 14 قرصانا من قادة الهورناتشوس كرئيس جديد للمدينة, وفي العهد الذي حكم فيه مراد مدينة سلا, ازدهرت القرصنة كثيرا وبدأت المدينة تظهر في الخريطة كأكبر تهديد لسفن أوروبا, ومع أن منصبه كحاكم سلا مربح ومهم, لكن لم يكن يقوم بذلك من أجل المال فقط, لكن كان محبا للمغامرة أيضا, لذلك كان يأخد السفن ويقوم بغارات على مناطق بعيدة ولم يكن يخيفه شيء

مراد الرايس وقوته في عهد الرئاسة

مراد بدأ يتذكر مغامراته, و من بينها الهجوم الذي قام به على بلدات القريبة من بحر المانش في 1622, والتي تذكر أنها آخر مرة إلتقى فيها ب عائلته الهولندية, لأنه عندما كان في تلك المهمة, لم تتبقى لهم المؤونة وقرر أن يتشجع ويدخل هولندا مستغلا إتفاقية كانوا قد وقعوها مع المغرب, لكي يرسي سفينته في مدينة فيراه, وهناك لم تستطع السلطات الهولندية اعتقاله بحكم الإتفاقية مع المغرب. لكن أحضروا له زوجته وأولاده لكي يقنعوه بالتخلي على القرصنة, لكن لم يكن هناك أي شيء قدر على أن يمنعه من إتمام الهدف الذي قدم من أجله, بعد ذلك عاد مراد إلى المغرب و إستأنف الأعمال القرصانية التي يقوم بها, و لم يكن ليرحم أي سفينة تمر أمامه وحتى سفن هولندا بلده الأصلي, وفقط في 1623 إستطاع أثر ثلاثة سفن هولندية بالقرب من إسبانيا والبرتغال, أما في 1624 هجم السلطان السعدي زيدان على سلا, لكن لم يستطع أن يدخلها لكونها محصنة جيدا, لكن قبل انسحابه سيتوصل لإتفاق مع الرايس مراد, وهو أن يعينه حاكما على المدينة, ويتعهد أن لا يعيد الهجوم عليهم ،مقابل اعطائه 10% من أرباح القرصنة. مراد وصلت به الذكريات إلى واحدة من أكبر إنجازته كقرصان, وهو الهجوم على ايسلاندا سنة 1627, البلاد البعيدة التي حكى له عنها عبد دنمركي كان قد أسره, والتي لم يصل لها قرصان من قبله. تذكر الطريق الطويلة التي قطعها بأسطوله الصغير الذي يكون من ثلاث سفن فقط, و تذكر كيف كانت مؤونتهم الرئيسية في هاته المهمة وفي أغلب المهمات في البحر, هي الخبز والزيتون في الصباح, والخليع في الغذاء والكسكس بالحمص في العشاءمراد, وفي طريقه سيهاجم في الأول على جزيرة إنجليزية اسمها جزيرة لوندي, وتقع في قناة بريستول, والتي سيستغلها كقاعدة لهجماته, ومنها سيكمل لأيسلندا ويهجم على مدن Grindavík  و Vestmann  و العاصمة Reykjavík, وسيأسر في هاد الهجوم ما بين 400 و 800 أسير سيبيعهم في سلا والجزائر. بعد هذا الإنجاز, الكل إعترف به كأقوى قرصان عرفته شمال إفريقيا.

اقتراب نهاية مراد الرايس, والانتهاء به كأسير

جمهورية قراصنة سلا


عندما رجع الرايس مراد إلى سلا, وجد الوضع مختل ، و وأجد أن الهورناتشوس الذين يسيطرون على الديوان ، قرروا التخلي على التبعية للسلطان المغربي لتوفير تلك 10% من الأرباح التي يعطوه إياها ولكي يحققوا الأمر, قامو بالتقرب من المجاهد العياشي الذي ساندهم, وفي نفس السنة التي هي 1627, طرد الهورناتشوس ممثلي السلطان, وأغلقو المدينة في وجهه واستفردوا بالسلطة. عندما رأى الريس مراد ما حدث, قام بالرحيل من سلا إلى الجزائر, وهناك بدأ في الإشتغال مرة أخرى في قرصنة السفن في البحر الأبيض المتوسط, وبيع حمولتها في تونس, وهكذا أصبح صديقا عزيزا على القائد العسكري لإيالة تونس الملقب بالداي, لكن في بعض الأحيان كان يغامر ويقوم برحلة طويلة ويهجم على هدف بعيد مثل سنة 1621, عندما هاجم مدينة بلتيمور في ايرلندا, و أسر 108 شخصا سيقوم يبيعهم في أسواق شمال إفريقيا. هذا الهجوم مازال يتخلد في بعض الأعمال الفنية الإنجليزية والأيرلندية حتى هذا الوقت, وبعد ذلك مراد الرايس سيقوم بهجمات أخرى على قبرص و جزر البَلْيَار كورسيكا و سردينيا, حتى سيأتي اليوم الذي سيكون عائدا بالقرب من شواطئ تونس في سنة 1635, وسيهجم عليه عدد كبير من سفن فرسان مالطا يتفوقون كثيرا على عدد مقاتليه, وسيحاصروه و يضعوه في الأسر, ومنذ ذلك الوقت مرت عليه 5 سنين في سجن مالطا المظلم, حيث يتعرض للتعذيب كل يوم.

عودة مراد لحلبة القرصنة

مراد سيستفيق من هاته الذكريات بسبب الضجيج الكثير الذي يسمعه خارج الزنزانة, وبعد برهة بدأ يسمع صوت تكسير الباب, وعندما دخلوا عليه, وجدهم عسكرا يبدوا عليهم من لباسهم أنهم انكشارية عثمانيين, وأمروه بالذهاب معاهم. بعد ذلك سيعرف أن صديقه داي تونس, هو الذي هجم على الجزيرة لكي يحرره, ويحرر عدد كبيرا من المعتقلين في سجونها. مراد أخيرة إستعاد حريته, وفكر في أن يرجع إلى سلا, لكن سمع أن الهورناتشوس حاكمي قصبة الوداية تحاربوا من مع المورسكيين الذين يشكلون أغلبية السكان, والذين ارادوا الدخول في الديوان, ووصلوا لإتفاق سنة 1630 لكي يقسموا عدد المنتخبين في الحكومة بشكل متساوي, ويقسموا الموارد والرسوم بين القصبة وسلا الجديدة التي هي الرباط, لكن التوتر بين المكونين بقي مستمرا, وفي 1631 حاول العياشي الذي كانت سلا تابعة له أن يستغل الوضع ويدخل للقصبة وللرباط, لكن لم يستطع و بعد 5 سنين إستطاع الموريسكيون أن يغلبوا عشيرة الهرنتشوس, ويطردوهم من المدينة و القصبة, لكن فرحتهم لم تكتمل, لأن العياشي مرة أخرى سيحاصرهم, في نفس وقت هجوم أسطول إنجليزي عليهم وبعد عام في سنة 1638, دخل جيش السلطان السعدي القلعة لكن استرجاعها الأندلسيون بسرعة.المهم في تلك الفترة سلا وما جاورها كانت فيها حروب كثيرة, ولذلك إختار مراد أن يلبي دعوة السلطان المغربي الجديد محمد الشيخ الأصغر, ويقبل عرضه لكي يصبح والي قصبة الوليدية.مراد الرايس أو يان يانزون لم يعش كثيرا, وسيموت بعد عودته إلى المغرب بقليل بسبب الأمراض المزمنة والتعذيب ليلته تعرض له في مالطا, بعد موت مراد الرايس, سلا كادت أن تسقط لأن الكل أراد القضاء عليها من السلطان و العياشي والدول الأوروبية التي تهجمه في كل حين بأساطيلها, لكن من حسن حظ القراصنة أن الزاوية الدلائية بدأت تنتشر في المغرب, وفي 1644 تركزت حكومة سلا والرباط في يد إبن والي الدلائيٍن, و فقدت إستقلالها مع أن أندلسيي المدينة يقومون في بعض الأحيان بثورات لكن لم تكن ناجحة, و لم تتغير الأمور حتى سنة 1668 عندما قضى السلطان العلوي المولى رشيد على الزاوية الدلائية, ودخلت سلا في طاعته, وهناك بدأت القرصنة السلاوية في الإنهيار تدريجيا لأن السلاطيين العلويين كانو يأخذون أغلب الأرباح, ولم يتبق للقرصنة دخل كبير يشجعهم على المغامرة بأنفسهم في البحر, و استمر الإنهيار حتى نهاية القرن 18 عندما ألغى المولى سليمان الجهاد البحري, وكان السبب في نهاية سلا كمدينة قرصانية.

السابق
ثورة بوحمارة التي كادت أن تنتهي بتأسيس دولة مغربية جديدة
التالي
أشهر 7 مواقع للعمل من المنزل الموثوق بها:

اترك تعليقاً