كتب وروايات

مراجعة رواية عداء الطائرة الورقية – خالد حسيني

عداء الطائرة الورقية

اشهار

“لأجلك، ألف مرة ومرة” التي ترددت على لسان أحد أبطال الرواية, ستكون عالقة في ذهني, وسأستحضرها كلما تذكرت الرواية, وما زلت للآن واقع تحت تأثيرها, ليس للطف معناها فقط ولكن للمشهد الذي قيلت فيه أيضًا, والمشهد الذي جاء بعدها

في إحدى مشاهد الرواية كان “أمير”, أحد أبطال الرواية والذي كان السرد على لسانه فيها, يقول أنه في عام 1983 أو 1984, كان في إحدى محلات الفيديو في أمريكا وكان بجواره رجل سأله: لو كان قد شاهد فيلم العظماء السبعة؟فأجاب: نعم، شاهدته 13 مرة, يموت فيه فلان وفلان وفلان. يقول: فرمقني بنظرة متشنجة كما لو كنت قد بصقت في مشروبه

مراجعة رواية عداء الطائرة الورقية

دعونا نستعرض رواية عداء الطائرة الورقية للروائي الأفغاني الأمريكي “خالد حسيني”. تبدأ أحداث الرواية في أفغانستان, وتحديدًا في الفترة التي تحولت فيها أفغانستان من الملكية إلى الجمهورية. كانت أفغانستان تحكم بنظام الملكية الدستورية إلى سنة 1973, لما انقلب “محمد داود خان” على ابن عمه الملك “محمد ظاهر شاه”, وأعلن قيام الجمهورية وحدث الانقلاب بدون سفك دماء. لذلك ما تغيرت طبيعة الحياة, حتى أن الشعب لم يشعر باختلاف كبير بين الملكية والجمهورية, تغيرت الأمور جذريًا التي قادت أفغانستان لكل ما آلت له إلى اليوم, عند انقلاب أحد الأحزاب السياسية في أفغانستان على “محمد داوود خان”, واستولوا على الحكم وأسسوا جمهورية أفغانستان الديمقراطية, وكان هذا الحزب مدعومًا من قبل الاتحاد السوفيتي من الروس, لذلك لما قامت معارضة الشعب على هذه الحكومةتدخل الروس في سنة 1979 والتي أدت إلى حدوث الحرب السوفيتية التي استمرت لأكثر من عشر سنوات, وبعد سقوط هذه الحكومة المدعومة من قبل الروس في سنة 1992 صارت أفغانستان محكومة بين قوى متناحرة, بعدها جاءت حركة طالبان وأسست “أمارة أفغانستان الإسلامية” سنة 1996الرواية تجري بسرد ” أمير” المولود في سنة 1965 في كابل، عاصمة أفغانستان, وكان ابنًا لرجل تاجر بطل القصة الآخر, وصديقه المقرب “حسن” والذي يصغره بعام واحد, وكان حسن “ووالده” علي يعملون خدمًا عند أسرة “أمير”, وكلاهم لم يرو أمهاتهم عند ولادتهم. حضور الأم كان غائبًا في الرواية على عكس حضور الأب, ومن الفروقات بين أمير وحسن, أمير كان من البشتون وهم مجموعة قومية سنية, بينما حسن من الهزارا وهم مجموعة قومية أصولهم ليست أفغانية أصلية وهم شيعة, وهذه بالمناسبة من الأشياء الجميلة في الرواية, تعرفك بالثقافة الأفغانية وطبيعة الحياة السياسية والدينية والاجتماعيةكنت أشعر بأني في شوارع كابل – لعبة الطائرة الورقية – النبلة – خبز النان – ترابط العائلات الأفغانية ببعضها كما يقول الروائي: “خذ اثنين من الأفغان لم يتقابلوا أبدًا وضعهم في غرفة لعشر دقائق وسوف يكتشفون صلة القرابة بينهم” حتى على مستوى اللغة, خالد حسيني أجاد لما أدخل المفردات الأفغانية كما هي دون ترجمتها مفردة “آغا” مثلًا “بشتم”, والمترجم لم يتدخل كذلك فيها وترجمها, لكن يُمكن أن يفهم معناها من خلال تكرر سياقاتها, سنجد إن آغا مثلًا تشبه كلمة سيد, وبشتم تشبه كلمة حبيبيالرواية تحمل كثيرًا من الثنائيات: ثنائية الأب والابن – الخادم والمخدوم – نائية الشخصية الأنانية المتمثلة في أمير في مقابل الشخصية المنكرة لذاتها تمامًا المتمثلة في حسن والتي أظن لا يمكن, يعني يمكن أن يختلف الناس حول أمير أو والد أمير, لكن لا يمكن أن تجد اثنين يختلفون في تعاطفهم مع حسن أو تأثرهم بهخالد حسيني جعل هذه الشخصية تجسد الشخصية المنكرة لذاتها, والتي تحمل أصدق معاني الوفاء بصورة لا يمكن أن تكون أنقى مما وصلت له فظيع بشكل لا يوصف, مشهد النبلة لما كان يشدها في وجه “آصف” دفاعًا عن صديقه, وكان أمير يعرف من خلال أدق انفعالاته الخوف الذي كان في داخله وارتعاشة يدهمشهد الخيانة, أتعبني جدًا هذا المشهد, وللأمانة خالد حسيني مجرم, مرات أشعر من بعض هذه المشاهد العاطفية كان يكتبها وهو يضحك, لأنه يعرف حجم التأثر اللي سيتلقاها القارئ به يعني لم يكتفِ فقط بتجسيد النبل والوفاء والصدق في حسن جعل أمير يمثل الجانب الآخر تمامًا من الأنانية والخيانة ونكران الجميل, فضاعف ذلك من صورة حسن الجميلة في مشهد الخيانة لما كان أمير ينظر إلى صديقه وهو يتعرض للاغتصاب أمام عينه, لكنه اختار أن يتوارى ولا ينقذه مع أن حسن كان في استطاعته أن لا يتعرض لذلك, لو أنه سلّم لهم الطائرة الورقية لكنه رفض تسليمها لهم لأنه كان قد وعد أمير بأنه سيعطيها له ولأجله ألف مرة ومرة, ثم رجع حسن يترنح وبيده الطائرة, وخرج أمير وتظاهر بأنه لم يكن موجودًا, وتفحص الطائرة حتى يتأكد أنه ليس فيها شرخ متأكد لما وصل القارئ لهذا المشهد, ربما لعن أمير وأتوقع ربما بعضكم لم يغفر له حتى بعد محاولة التكفير من قبله وهذه ثيمة أخرى في الرواية سنجدها تتكرر في أكثر من موضع وهي الندم ومحاولة التكفير عن الماضي, سنجدها مع أمير وسنكتشفقها لاحقًا مع والدهثمة نقطة يجب أن نشير لها هنا وهي أن لا نغفل دور الأب في بعض تصرفات ابنه يعني كان من الواضح أن أمير يشعر بأن حب والده له كان حب مشروط, فكان دائمًا يحاول استيفاء شروط هذا الحب ولو بارتكاب أعظم الخيانات, وهذا أسوأ ما يمكن أن يفعله الآباء بأبنائهم: أنا أحبك ما دمت تنجح – أحبك إذا كنت كذا – أو إذا كنت مثل فلان, وهذه أفظع بالمناسبة. أنا ما أتكلم هنا عن المكافأة, يمكن أن تكون المكافأة مشروطة, أكافئك حينما تنجح لكن الحب يجب أن لا يكون مشروطًا أو مهددًا وإلا لاضطر الإنسان أن يتظاهر أو يخدع ليحقق شروط هذا الحب, بينما هذا الحبل ينبغي أن يكون ممتدًا على الدوام فيه عدة نقاط, للأمانة مثل سؤال: هل ثمة علاقة بين مستوى تعليم الإنسان وأخلاقه؟لأن ما جسّده أمير وحسن كان يقول العكس, وأسئلة كثيرة حول الوطن والعرقيات وهدر الإنسان وهل توجد علاقة بين الكاتب وبين القصة خالد حسيني ولد في أفغانستان بعد ولادة حسن بسنة, لكني مضطر إلى تجاوزها حتى لا تطول المراجعة

خاتمة مراجعة الرواية

سأختم بنقد بسيطة للرواية. الرواية من حيث الحبكة الفنية تقليدية, ولما أقول تقليدية ليس ذمًا بالضرورة ما أعنيه بالتقليدية يعني لو سألنا ماهي معايير كتابة الرواية سنقول: وجود قصةعقدة، حل العقدةو عنصر المفاجأةتنوع الشخصيات ووجود شخصية تمثل الشر أحيانًأ – ترابط القصة, وستجد أن خالد حسيني كان واعيًا تمامًا بها فكان وكأنه يسعى لتحقيقها بطريقة أشبه بالـcheckmark, فأوجد عقدة بل أكثر من عقدة من خلال ندم أمير ثم محاولة البحث عن “سهراب”, سنجد أنه نوّع في شخصيات أبطاله وأضاف شخصية تمثل الشر متمثلة في “آصف”عناصر المفاجأة كثيرة جدًا لذلك لن ينفك القارئ عن الاندهاش, ترابط القصة والأحداث الأولى بالأخيرة كذلك موجودة راح تقول: طيب وش المشكلة إذا كانت هذه عناصر الرواية الناجحة؟ المشكلة بالنسبة لي, إن تحقيقها بطريقة مقصودة أكثر مما ينبغي قد يحيد بالقصة عن واقعيتها قليلًا وبالتالي قد يضرها, وأنا أشوف أصلًا ليس شرطًا أن تحقق الرواية كل هذه العناصر حتى تكون ناجحة وهذه من مشاكل تأطير الرواية, أحيانا القصة لا تتطلب بعض العناصر والسعي لتحقيقها كلها قد يضرها, وهذا سنجده بالفعل قد حدث في الرواية خصوصًا في فصولها الأخيرة لما حاول أن يربط أحداث الرواية ببعضها, فآصف الذي كان في الأحداث الأولى هو نفسه الذي في طالبان وحسن يصبح هو شقيق أمير وشفة أمير تتضرر بنفس ما كانت عليه شفة حسن, وابن حسن يصيب آصف بنفس الطريقة التي كان يهدده والده بها صحيح أن هذه خدمت عنصر الدهشة في الرواية مع كل ترابط تقول: واو, وفعلًا كنت ممن قال: واو بس بعدين لما تفكر فيها تشعر إنها غير واقعية تمامًا, كذلك عنصر الحزن بدا في بعض المواضع مقصودًا بأكثر مما يجب وخالد حسيني يعي بأن القصص الحزينة تصنع كتبًا جيدة, وذكرها بالنص في روايته بأن القصص الحزينة تصنع كتبًا جيدة فخالد حسيني يعرف ما الذي سيؤثر في القارئ لذلك لم أتعجب تحقيقهاهذه الأعداد الكبيرة من المبيعات اللي وصلت لأكثر من 22 مليون نسخة حول العالم, هذا ليس ذمَا بالمناسبة على الرغم من كل ما قلته, أعجبتني الرواية ولامستني ومن أجمل ما قرأت للأمانة, ومن الروايات المناسبة لكل القراء حتى المبتدئين, وإن كانت صفحاتها الكثيرة قد تجعلها صعبة بعض الشيء على المبتدئين لأنها تقع في 507 صفحات, لكن كنت مستمتع بها وما شعرت بحجم صفحاتها, وأنصح بها من قرأوا الرواية

السابق
افضل 10 مسلسلات اجنبية على الاطلاق
التالي
مراجعة رواية عالم صوفي

اترك تعليقاً