بيولوجيا

لماذا ننام؟

لماذا ننام؟

اشهار

أغلبنا خطر على باله السؤال التالي و لو لمرة في حياته لماذا ننام ؟ ما السبب الذي يجعلنا نمر بهذه الظاهرة كل يوم و لا نستطيع العيش من دونها ؟

بالنسبة للكثيرين منا، أسوأ لحظة من كل يوم تشبه شيءً كهذا..

هذا الضجيج يرغمنا على العودة من العالم الغامض الذي نسميه النوم.

نحن نقضي ثلثًا من حياتنا نائمين، باستثناء اللقطات الغريبة من الحلم هنا وهناك، أغلبنا ليست لديهم أدنى فكرة عما يحدث بعد النوم… ولكن لحظة, ما هو النوم؟

ما هو النوم؟

لفترة طويلة جدًا، كان النوم مجرد شيء يحدث، والجميع يفترض أن أدمغتنا تضغط على زر إيقاف التشغيل وتنطفئ لفترة. ولكن في العقود القليلة الماضية أصبح الواضح أن النوم قد يكون واحد من أهم السلوكيات التي يجرّبها البشر والحيوانات الأخرى.

في بعض الأحيان عندما نكون مشغولين و لدينا الكثير من أعمال و الواجبات و نصادف النوم في طريقنا نُحس بالتذمر كأننا سنمر بوقت سلبي يُعيقنا من أن نُصبح أكثر إنتاجية.

أغلب المجتمعات لا تعامل النوم كما ينبغي و إذا أردنا بعض الوقت لفعل شيء ما فوقت النوم هو أول شيء نُضحي به لا وقت الهاتف,  لا وقت الفيسبوك و لا وقت الأفلام و المسلسلات.

اليوم في هذا المقال سأحاول بإختصار الإجابة على السؤال لماذا ننام؟ لعلى و عسى نُدرك قيمة النوم و نجعله أولوية مهمة في حياتنا

لماذا يجب علينا أن ننام؟

حتى تعرف الإجابة عن سؤال لماذا ننام؟, عليك أن تعرف أولا من ماذا يتكون النوم؟

ما هي مراحل النوم؟

يتكون النوم من مرحلتين مهمتين جدًا:

الأولى: نوم حركة العين الغير سريعة (NREM Sleep Non-rapid eyes movement)

الثانية: نوم حركة العين السريعة (REM Sleep Rapid eyes movement)

كلتا المرحلتين تدوم لـ 90 دقيقة مشكلةً دورة تتكرر 5 مرات في ليلة النوم الكاملة, الآن سنقوم بشرح كل مرحلة و نبرز دورها و أهميتها.

نوم حركة العين الغير سريعة NREM Sleep: سُميت بهذا الإسم لأن فيها الأعين تكون بطئية الحركة أو لا تتحرك إطلاقًا و هي أول خطوة للنوم و تتكون بدورها من ثلاث مراحل:

المرحلة 1: أول إحتكاك مع النوم حيث تبدأ العضلات بالإسترخاء و نشاط الدماغ يقل مقارنةً باليقظة, النوم فيها يكون خفيف و فرص إنقطاعه عالية كما قد يُحس النائم بالسقوط من مكان عالي.

المرحلة 2: وهي أول مرحلة فعلية للنوم تقل فيها درجة حرارة الجسم و سرعة نبضات القلب كما تَصعُب عملية إيقاظ النائم عندما يصل إليها.

المرحلة 3: تُعرف أيضًا بمرحلة النوم العميق و هي أكثر مرحلة مُنعشة للإنسان و من الصعب جدًا إيقاظه فيها قد تظهر فيها سلوكات غير طبيعية كالكلام أو المشي أثناء النوم و هذا بسبب خلل كهربائي في الجهاز العصبي يجعل الدماغ عالق ما بين النوم اليقظة فيقوم بتصرفات اليقظة وهو نائم

ما هي فوائد NREM Sleep

واحدة من أهم فوائد النريم سلب هي تجهيز الذاكرة للتعلم, تخيل أنك تملك فلاش USB مساحته 2GB طوال اليوم. أي معلومة تقوم بإستقبالها تضعها في الفلاش, سواءًا بقصد كإسم صديق تعرفت عليه أو معلومة مهمة في عملك أو للإمتحان أو عن غير قصد كقصة تافهة سمعتها في الحافلة او خبر لا يهمك على التلفزيون الخ… في نهاية اليوم سيكون الفلاش قد إمتلأ و حتى تستطيع تخزين معلومات جديدة في اليوم الموالي ستقوم بمسح جميع المعلومات الغير مهمة و تخزين المعلومات المهمة في حاسوبك في المنزل الذي يملك مساحة كبيرة جدًا لنقل 100TB مثلا حتى تحتفظ بها للمستقبل.

نفس الشيء يحدُث معك يوميًا حيث يوجد عضو في عقل الإنسان يسمى Hippcoampus يلعب دور الفلاش يمتلك ذاكرة محدودة السعة و يقوم بتخزين جميع المعلومات التي نكتسبها في اليوم ثم عند النوم و تحديدًا في مرحلة NREM Sleep يقوم بإرسال تلك المعلومات إلى عضو آخر يسمى Cortex الذي يخزنها في الذاكرة طويلة الأمد لذلك مرحلة الـNREM Sleep مهمة جدًا قبل التعلم لتفريغ الفلاش فيُصبح جاهز لإكتساب معلومات جديدة و مهمة بعد التعلم حتى يتم تخزين معلومات اليوم المهمة في الذاكرة طويلة الأمد و تصفية الغير مهمة منها و نسيانها.

لذلك عند النوم لساعات متأخرة و تضييع هذه المرحلة يُصبح الفلاش محدود السعة أي الـ Hippocampus ممتلئ فالمعلومات الجديدة يا إما تقوم بدهس المعلومات القديمة فننسى ما تعلمناه البارحة أو لا تجد مكان فننساها بسرعة.

ليس المعلومات النظرية فقط بل حتى المهارات كقيادة الدراجة مثلا, أكيد والديك لم يقومو بإعطائك كتاب كيف تقود الدراجة في 3 أيام فقط !!! و إنتظروا منك أن تنجح في قيادتها بعد قراءة الكتاب مباشرةً, فهذه مهارة و تعليمها يتم بالممارسة و التدريب. فعند ركوبك أول مرة تُحس نفسك مضغوط وكأنك في كابوس و القيادة تحتاج تركيز كبير و قد يتوصل بك الأمر لتعتقد أنه يستحيل عليك أن تتمكن من قيادتها, لكن بعد مرور يوم يومين ثلاث ..إلخ تجد نفسك أفضل و أفضل حتى تستطيع قيادة الدراجة من دون مشاكل.

السر يرجع إلى مرحلة الـ NREM Sleep التي ساعدت عقلك على جعل الحركات تلقائية و من دون جهد نفس الشيء ينطبق على باقي المهارات كقيادة سيارة، تعلم حرف جديدة في عملك ..الخ.

فمرحة الـNREM Sleep تجعلنا نتعلم و نكتسب مهارات بسرعة و تقينا من النسيان.

فوائد مرحلة الـREM Sleep:

سُميت بهذا الإسم لأن حركة العينين من الجهة إلى الأخرى تكون سريعة جدًا و الدماغ يكون أنشط من جميع المراحل السابقة, تُعرف أيضًا بمرحلة الأحلام لأننا نحلُم فيها.

للـREM Sleep فائدتين في غاية الأهمية

– الإعتناء بعواطفنا و صحتنا العقلية هناك مقولة شهيرة: ” الوقت يشفي جميع الجروح ” فهل فعلًا هو كذلك أم هي مقولة خاطئة. جرب أن تتذكر ذكريات لا تُنسى في حياتك, في غالب الأحيان ما تكون ذكريات عاطفية مُحزنة كفقدان شخص قريب مُفرحة كنجاح حققته جعلك فخور بنفسك، مغضبة..الخ

لكنك لو تُلاحظ أنها لا تؤثر فيك في الوقت الحاضر بنفس الدرجة التي أثرت فيك أثناء حدوثها, و إلا لما إستطاع إنسان التعايش, و لكل البشر أصبحوا مضطربين نفسيًا فكلاعب كرة قدم عندما يُسجل هدف البطولة يفرح فرحة هيستيرية لكنه بعد عام عندما يتكلم عن تلك اللحظة لا يفرح نفس تلك الفرحة الهيستيرية.

السبب يعود إلى مرحلة REM Sleep و الأحلام تحديدًا حيث تكون جميع الهياكل المسؤولة عن الذاكرة و المشاعر مُفعلة Amygdala , Hippcoampus و أجزاء من الـCortex، لكن في نفس الوقت مادة كيميائية في الدماغ النورأدرينالين تكون متوقفة عن العمل وهي عنصر رئيسي للشعور بالضغط العصبي و التوتر حتى نقوم بردات الفعل العاطفية. فكأن دماغك أثناء الحلم يقوم بتذكر جميع تجاربك البارزة و تخزينها في ذاكرة طويلة الأمد مع تحليل و مسح جزء كبير من الألم النفسي الناتج عن هذه التجارب لنرجع إلى مقولة الوقت يشفي جميع الجروح نجدها صحيحة لكنها ناقصة فالوقت وحده لا يكفي بل الوقت الذي نقضيه في الـREM Sleep و الأحلام هو الذي يشفي جميع الجروح.

– الإبداع هل تتذكر لما كنت تواجه مشكل عويص و جربت كل الطرق لكنك لم تجد له أي حل و وقعت في طريق مسدود, ثم تذهب لتنام بذلك الإحباط و خيبة الأمل لكن ما إن تستيقظ من حيث لا تدري يتبادر إلى ذهنك حلول جديدة لتجربها, فتنجح في حل المشكل هذا الأمر حدث معك بالتأكيد.

سوءًا كنت واعي به أو من دون وعيك أغلب المفكرين و المبدعين على مر التاريخ صادفوا مثل هذا الأمر و خرجوا بأفكار عبقرية غيرت مجرى التاريخ سأذكر لكم واحدة على سبيل المثال الكميائي الروسي ديميتري ميندلييف الذي أحس بأنه أكيد يوجد تنظيم منطقي للمواد الكميائية المعروفة و كان له هاجس إكتشاف هذا التنظيم لمدة سنوات و هو يحاول و يحاول لكنه في كل مرة يفشل يفشل, و بعد قضاء 3 أيام متتالية من دون نوم وصل إحباطه لدرجة عالية من الفشل في إيجاد الحل و إستسلم للنوم, و أثناء النوم تمكن عقله الحالم من إنجاز ما لم يستطع عقله المسيتقظ بإيجاد الحل أثناء الحلم و لما إستيقظ مباشرةً دوَن كل ما حلُم به الذي أصبح ما يُعرف الآن بالجدول الدوري الذي يعتبر من أعظم الإختراعات في تاريخ الكمياء.

عقل الإنسان أثناء مرحلة الـNREM Sleep أو اليقظة يعمل بطريقة منطقية كمثلا لما أقول لك 3 > 2 و 5> 3 فعقلك تلقائيا يستنتج أنه مادام 5 > 3 و 3>2 فـ 5 > 2 لكن أثناء الحُلم عقل الإنسان يعمل بطريقة معقدة لم يستطع العلماء ليومنا تحديدها بدقة.

فببساطة عقلنا أثناء الحلم يقوم بوضع كل ما تعلمناه مؤخرا في الحاضر من جهة و كل ما تعلمناه طيلة حياتنا في الماضي من جهة أخرى ثم يسأل نفسه كيف أستطيع ربط كل هذه العلوم و المعارف مع بعض للخروج بعلاقة و نتيجة جديدة إبداعية لا تخطر على العقل العادي المستيقظ.

قد لا تحلم بالنتيجة كميندلييف لكنك قد تتذكرها مباشرةً بعد إستيقاظك و هذا ما كان يفعله توماس إيديسون الذي كان يأخد قيلولة في النهار و يضع الدفتر الخاص به أمامه على السرير و يتعمد إيقاظ نفسه بعد الـREM Sleep ثم يدون كل الأفكار التي تخطر على باله و كلنا نعرف من هو توماس إيديسون صاحب الـأكثر من 1000 براءة إختراع.

اذن لماذا ننام؟

ننام حتى نعطي لأنفسنا الراحة الكافية على الابداع, التطور, وأهم شيء الحياة.

السابق
لماذا تختلف ألوان عيون الناس؟
التالي
كيف تم حساب المسافة بين الأرض والشمس؟

اترك تعليقاً