تاريخ

ما هو تاريخ كعبة زرادشت وأسباب بنائها؟


اشهار

كعبة زَرَادُشْتْ: الأثر الذي يرفض البوح بأسراره

لقد انتشرت الكعبات في الديانات الوثنية قبل مجيء الإسلام، و كانت كعبة زَرَادُشْتْ بإيران إحداها، بنيت في عهد الإمبراطورية الإخْمِينِية أول إمبراطورية في بلاد فارس على شكل مكعب.

بلغ ارتفاعها 12.5 متر و عرضها 7.25 متر، أحجارها من طبيعة كلسية و العجيب أنه لم يتم استخدام أي مادة لاصقة كملاط للصق هذه الأحجار! و رغم ذلك حافظت على تماسكها قرونا عديدة.

يعلو هذا البناء سقف هرمي بعض الشيء وتحته قاعدة حجرية متشكلة من ثلاث دَرَجَات ارتفاعها 1.5 متر.

يزين هذه الكعبة من الخارج ما يدعى بالنوافذ الكاذبة المثبتة بحجر الكلس الأسود، كما تحتوي على مدخل و عتبة ترتفع إلى النصف الأعلى منها. و يُظهِر المبنى أنه كان يحتوي على باب من الحجارة الصلبة لكنه اختفى مع مرور الزمن و سقف به نقوش في حوافه. تعتبر هذه الكعبة صرحا خالدا يدل على الهندسة المعمارية القائمة قديما.

تاريخ كعبة زرادشت

اختلف المؤرخون حول صاحب هذا النصب التاريخي، إذ يرى البعض أن الحاكم “دارا الأول”  أو “دَارْيُوش الأول ” كما سماه الفرس و الذي حكم المنطقة في القرن الخامس قبل الميلاد هو الذي أمر ببنائه، بينما يرى آخرون أن “أَرْدِشِير الثالث” الذي حكم الفرس في القرن الرابع قبل الميلاد هو صاحبه نظرا لما يحتويه هذا البناء من نُقوش تُشيد به، اختلفت الروايات و التواريخ و اللغز واحد !

يحيط الغموض بهذه الكعبة نظرا لانعدام الإشارات حول غرض بناءها، حيث رَجَّحَت بعض النظريات أنها بُنيت لغرض ديني و بعضها رجحت أنها بُنيت قبرا، و في روايات أخرى ترى أنها بُنيت للاحتفالات خصوصا و أن لفظة “كعبة” لم يُطلق عليها سوى في القرن الخامس عشر ميلادي من قبل سكان بلاد فارس و بالتالي بقي السبب مجهولا من غرض بنائها و لا يُعرفُ إن كان بسبب شكلها المكعب أو لأسباب أُخرى فُقِدت مع مرور الأزمان و تعاقب الأجيال.

لكن الأمر المتعارف عليه هو أن هذه الكعبة بُنيت في عهد “زَرَادُشْت” كاهن وثني أذربيجاني ادعى أنه رسول و أخذ يدعوا لديانته و مبشرا في مختلف الأقطار إلى أن وصل إيران فأقنع ملكها و دعاه لتعميم هذه الديانة على شعبه فَنُسِبَت إليه الديانة “الزَّرَادُشْتِيَّة” و هي المعروفة لدى المسلمين بالمجوسية و المذكورة في القرآن الكريم و الأحاديث النبوية و كانت النار مقدسة عندهم لدرجة عبادتها مع الشمس باعتبارهما رمزا لإِلاَههم.

لغز بناء كعبة زرادشت

إن اللغز الرئيسي المحيط بهذه الكعبة هو سبب بنائها و غرض استخدامها، و نظرا لكون اسمها قريب من تسمية الديانة المعتمدة في ذلك الوقت فإنه تم ترجيح فكرة أنها كانت معبدا للنار بقوة، غير أنه كانت هناك عدة تفسيرات أخرى تمثلت أساسا في أنها كانت مكانا يُحتفل فيه لتخليد ذكرى الأباطرة المدفونين بالقرب من الكعبة نظرا لكونها تقع في منطقة أثرية بحتة تدعى “نَقْشُ رُستم” غنية بالنقوش الحجرية العجيبة و مدفون فيها 4 ملوك للفرس، و كاحتمال آخر قيل أنها كانت تستخدم كخزينة لحفظ ممتلكات و أغراض الأباطرة المدفونين بالمنطقة، و نظرا للدراسات الأثرية المتواصلة رأى بعض العلماء أنها عبارة عن قبر لحاكم الفرس و مؤسس الإمبراطورية الإخْمِينية “كُورْشْ العظيم” حسب ما ورد في روايات المؤرخ و الرحالة اليونانيين  آرْيَان و سْتْرَابُون Strabon في وصفهما لذلك القبر.

و رغم تعدد الدراسات و النظريات المطروحة لم يتم التوصل بعد لفك لغز السبب و الغرض من بناء هذه الكعبة.

مكونات كعبة زرادشت

تحتوي هذه الكعبة على نقوش عديدة تعود لما قبل الميلاد تعتبر أهم جزء فيها، كما يحيط بها جدار به نقوش تعود للعهد السَّاسَاني و يعود تاريخها للقرن الثالث ميلادي، بعد تحليل هذه النقوش وُجد أنها كُتبت بثلاث لغات هي: البَارْثِيَّة و الفَهْلَوِيَّة ( اللغة الفارسية الوسطى في العهد الساساني) و اليونانية و تروي هذه النقوش تخليدا للإمبراطور أَرْدِشِير و ابنه شَابُور نظير ما قدموه من أعمال خدمة لديانتهم و خصوصا حروبهم مع الرومان و هو ما أعطى لهذه النقوش أهمية كبرى كونها تسرد حقائق و أحداث لقرون مضت.

يعتبر النقش الذي كتبه شَابُور الأول ابن أَرْدِشير على كعبة زَرَادُشْت الذي اكتُشِف عام 1936 و الذي يعود لمنتصف القرن الثالث ميلادي، أحد أهم المصادر في دراسة تاريخ المنطقة و تلك الكعبة خصوصا لندرة المصادر و غموضها ، و من حسن الحظ أنه كُتِب بثلاث لغات حيث تُرجم لعدة لغات انطلاقا من النسخة المدونة باللغة البَارثية كون المدون باللغة الفارسية الوسطى لا يمكن قراءته لعدم وضوحه.

و احتوى هذا النقش تفاصيل عن الجغرافيا الإدارية و السياسية للدولة الإيرانية و التي ورد اسمها في النقش باسم “إيرَانْشَهْر”، و كان مما جاء في النقش:

أنا شابور ملك الأراضي فارس، بَارْثِيا، خُوزِسْتَان، مِيسَان. و واصل تسمية الأراضي التي تقع تحت إمرته حيث ختم بقوله: كل هذه الأراضي و الحكام و الأقاليم العديدة كانت خاضعة لي.

إيرَانْشَهْر

غير أن بعض المصادر أشارت إلى أن هذا النقش تمت كتابته من طرف كاهن مجوسي رفيع الدرجة، و لازال الغموض يحيط به.

قداسة كعبة زرادشت

رغم قداسة كعبة زرادشت لدى الإيرانيين المجوس القدماء إلا أن ذلك لم يجعلهم يستصغرون الكعبة الشريفة التي بمكة بل كانوا يزورونها ويقدسونها أيضا و قد رجح العلماء ذلك أنهم كانوا يعتبرونها نسخة عن كعبتهم الأصلية.

تعتبر هذه الكعبة إحدى أبرز المعالم الأثرية الفريدة لما تقدمه من معلومات عن تلك الحقبة الزمنية و أحداثها التاريخية، لكنها ليست الوحيدة حيث انتشرت منذ القدم العديد من الكِعاب حول العالم مثل كعبة رِيَّام في اليمن غير أنه اختلف السبب وراء تشييدها حسب الغرض الذي تؤديه، لكن تبقى الكعبة الشريفة بمكة المكرمة هي الأبرز حول العالم لكونها واضحة الأغراض منذ الأزل لا يلفها أي غموض و خصوصا لما تحمله من مشاعر مقدسة متوارثة عبر الأجيال لا تزال إلى يومنا هذا.

السابق
من هو أذينة ملك تدمر؟
التالي
ما هو لغز البارجة الحربية ياماتو؟

اترك تعليقاً