تاريخ

من هي زنوبيا ملكة تدمر؟


اشهار

زنوبيا” اسم ارتبط بالذكاء، القوة، الشجاعة، الموضة، المحلات، الحضارة..تغنى به الشعراء، و ألفته النساء كرمز للشجاعة النسوية، فما هي القصة وراء هذا الاسم ؟

تاريخ الملكة زنوبيا

شهد العصر الجاهلي خصوصا لدى العرب العديد من الشخصيات الفذة التي خلدها التاريخ في قصائد الشعراء و آثار الحضارات لقاء ذكائها و فطنتها و حنكتها و شجاعتها و كانت زنوبيا ملكة تدمر أبرز هذه الشخصيات !

من هي زنوبيا؟

 الزباء بنت عمرو و يمتد نسبها لابن السميدة، لقِّبها الإفرنج بزنوبيا فاشتهرت بهذا الاسم، هي زوجة الملك أذينة ملك تدمر قديما و الملقب بزعيم الشرق لكونه سيدا على الشرق الروماني من سوريا إلى آسيا الصغرى و قاهرا للفرس.

عُرفت بوسع معارفها و حنكتها السياسية و رجاحة عقلها و حكمتها إضافة لذلك كانت فارسة ماهرة، صيادة و قناصة، حكيمة و تُجيد أغلب لغات عصرها من أرامية و لاتينية و غيرها. ذات ثقافة واسعة و صاحبة جمال أخاذ فقد كانت سمراء البشرة ذات هيبة تظهر في ملامحها، صحيحة الجسد، جهورة الصوت، أنيقة الملبس فقد كانت تلبس ثيابا مرصعة بالجواهر، لقد توفرت فيها كل صفات الملوك العظماء !

كل صفات البراعة الإدارية و التخطيط المحكم الذي تتمتع به الملكة زنوبيا كان يظهر تأثيره جليا على أذينة و في تطور جيشه.

بداية حكم زنوبيا لتدمر

ظهرت مهارات زنوبيا القيادية و السياسية عندما خلفت زوجها أذينة الثاني الذي ولاَّها حكم الشرق الروماني مؤقتا أثناء غيابه، فاتسعت شهرتها لتميزها بالهيبة و الشجاعة و القيادة الإدارية المحكمة للمملكة و قدرتها على التحكم في جيشها و في كبار القيادات.

نفوذ زوجها ملك الملوك كما كان يلقب نفسه لم يدم طويلا فبعد تصميمه على القضاء على الفرس كليا تم اغتياله عام 266 ميلادي و في هذا التاريخ كان ابنه من الملكة زنوبيا المسمى “وهب اللات” لا يزال صغيرا و رغم ذلك تولى عرش الشرق الروماني خلفا لأبيه لكن تحت وصاية أمه زنوبيا.

كانت هذه هي نقطة تحول المملكة التدمرية بقيادة الملكة زنوبيا, حيث بدأت التخطيط للحصول على استقلالها و سيادتها الذاتية و الخروج عن حكم الرومان، فبدأت تسعى لتثبيت ابنها على عرش الحكم و تقوية المملكة التدمرية.

الأمر الذي أثار شكوك و استياء الرومان فأرسل الإمبراطور الروماني آنذاك كتائب رومانية لتصحيح الوضع و إعادة فرض السيطرة الرومانية على تدمر، لكن زنوبيا كانت قد تجهزت لذلك !

ألحقت الخسائر بهذه الكتائب و هزمتها أيّما هزيمة، و من هنا و بتاريخ 268 ميلادي و بشجاعة عظيمة من الملكة زنوبيا بدأت الحرب بين مملكة تدمر و الإمبراطورية الرومانية على بسط النفوذ في المنطقة.

استمرت الحرب، و كانت الكفة لصالح زنوبيا خصوصا مع الاضطرابات التي كانت تسود روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية فهزمت جيشهم و قتلت قائدهم و بدأت تكبر أطماعها، أطماع جعلت الفرس و الرومان معا يكنان لها العداوة و الوعيد بالهزيمة.

توسع  حكم الملكة زنوبيا

لم تكتف زنوبيا بالرغبة في الاستقلال، بل راحت تحاول التوسع و الاستيلاء على الأراضي الرومانية في الشرق,

كانت مصر أول الوجهات و من أجل ذلك راحت زنوبيا تحاول استمالة المصريين بادعاء انتمائها للفراعنة و كونها من نسل الملكة كليوباترا و هو الأمر الذي اختلف المؤرخين في صحته، لكن استطاعت بكل جدارة و نفوذ الاستيلاء على مصر و الاستفادة من غناها بالحبوب إضافة إلى السيطرة على الطرق التجارية العالمية التي تمر عبر البحر الأحمر و التي كانت تحت سيطرة مصر، و هو ما هدفت من خلاله لأن تجعل مكانتها تعلو بين القبائل العربية و تنال ولاءها لاحقا من أجل استقلالها عن الروم.

لم تكن هذه المكاسب مقنعة للملكة المقدامة إذ راحت تفتح المدن و تضمها إليها فصارت تحت إمرتها إضافة إلى مصر كل من بلاد الشام و العراق و آسيا الصغرى و أنقرة و اتسعت في عهدها المملكة التدمرية اتساعا عظيما حتى أصبحت حدودها من ضفاف النيل إلى شواطئ البوسفور و التي أطلقت عليها اسم الإمبراطورية الشرقية، و رغم ذلك لم تتوقف أطماع زنوبيا بالتوسع !

في ذلك الوقت كان قد آل حكم الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطور أورليان أو أورليانوس الذي سارع فور وصوله الحكم إلى التفاوض مع زنوبيا من أجل إيقاف زحفها و اجتياحها للمدن الرومانية، فراح يرسل إليها الهبات و الهدايا و يولي ابنها وهب اللات الألقاب  و الامتيازات لينال رضاها و يضمن توقف حركاتها التوسعية.

استقلال تدمر

بدءا من عام 271 ميلادي راحت الملكة زنوبيا تصك النقود الفضية و على وجهها صورة ابنها و على الوجه الآخر صورة الإمبراطور أورليانوس و تم التداول بها في مصر و أنطاكية، بعدها و بخطوة جريئة ولَّت ابنها ملكا لمصر و أزالت صور الإمبراطور الروماني من على النقود و تركت صورة ابنها وهب اللات فقط و أضافت إليها صورتها بشكل نصفي و نقشت اسمها باليونانية، و على الوجه الآخر للنقود نقشت لقب ابنها ملك الملوك، فكانت هذه الخطوة بمثابة الدلالة على الانفصال الاقتصادي و السياسي عن الإمبراطورية الرومانية، و لم يدم الأمر طويلا حتى أعلنت زنوبيا استقلال تدمر كليا عن الإمبراطورية…

أول خسارة للملكة زنوبيا

لم يستسغ الإمبراطور أورليان هذا الإعلان و استشاط غضبا متوعدا زنوبيا بالسقوط، و لما كانت الفترة التي نُصّب فيها حاكما للرومان جاءت بعد اضطرابات عديدة، كان أورليان يعيد الأوضاع إلى نصابها في شمال و غرب الإمبراطورية ولما اطمأن على حدوده الغربية و الشمالية صبَّ كل تركيزه حول حدوده الشرقية و زنوبيا !

و من أجل ذلك وضع أورليان خطة للإطاحة بزنوبيا حيث عمل من خلال خطته على استرجاع مصر أولا و من ثم القضاء على الجيش التدمري بدءا من المتواجد في آسيا الصغرى وصولا إلى سوريا و تدمر، و لهذا الغرض عبأ الإمبراطور الروماني جيشا عظيما بقيادة بروبوس و أرسلهم إلى مصر لتحقيق غاياته، و انطلق هو قائدا لجيش آخر إلى آسيا الصغرى و اتفق الجيشان من خلال الخطة على الالتقاء في تدمر.

و هو ما حصل حيث حدثت مواجهات شرسة بين الجيش التدمري و الجيش الروماني عام 271 ميلادي أين استطاع بروبوس استعادة مصر دون أن يواجه مقاومات كبيرة أما الإمبراطور أورليان فقد واجه الجيش التدمري في معركة طاحنة في أنطاكية  ألحق بهم فيها هزيمة قاهرة دفعتهم للتراجع نحو تدمر, وكانت هذه أول خسارة للملكة زنوبيا.

بداية نهاية ملكة تدمر زنوبيا

راح الملك أورليان يتبعهم إلى تدمر حيث ضرب عليها الحصار مانعا زنوبيا من الفرار أو الاستنجاد بالساسانيين الفرس أو القبائل العربية المجاورة، و في محاولتها للهروب نحو الساسانيين بعد تأكدها من ضرورة الحصول على مساعدة أوائل العام 273 ميلادي, تم إلقاء القبض على زنوبيا من طرف الجيش الروماني و هي تستقل زورقا لتعبر نهر الفرات و هو ما اضطر أهل تدمر للاستلام بعد أن علموا أن ملكتهم أسيرة في يد الروم، و هكذا تم الاستيلاء على تدمر.

دخل أورليان تدمر منتصرا في مطلع 273 ميلادي و أمر بقتل بعض قادتها في حين عفا عن باقي سكان المملكة و أخذ ملكتهم زنوبيا و ابنها وهب اللات و باقي أبناءها لتعيش تحت إمرتهم  في روما، و رغم محاولة سكان تدمر لاحقا و المصريين الثورة و التمرد على الرومان و قتل حاكمهم في تدمر و سعيهم لتشكيل جبهة موحدة للاستقلال إلا أنه سرعان ما عاد الإمبراطور الروماني إلى المنطقة و أعاد فرض سيطرته و نفوذه عليهم و لكن هذه المرة أمر جيشه بنهبهم و تدميرهم، فأطلق عليه اسم معيد الشرق إلى روما.

و هكذا كانت نهاية مملكة تدمر على يد الرومان و التي تحولت من مملكة بجيش عظيم إلى مدينة بقوافل ثم إلى قرية صغيرة قاحلة يقطنها بضع عشرات من الأسر في أكواخ طينية.

و انتهت قصة زنوبيا و تدمر.

السابق
ما هو لغز البارجة الحربية ياماتو؟
التالي
ما هو أفضل نظام غذائي لتنشيف جسمك من الدهون

اترك تعليقاً